محمد الغزالي

111

فقه السيرة ( الغزالي )

وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ( 33 ) [ المطففين ] . وانقلبت هذه الحرب إلى تنكيل وسفك دم بالنسبة إلى المستضعفين من المؤمنين ، فمن ليست له عصبية تدفع عنه لا يعصمه من الهوان والقتل شيء ، بل يحبس على الآلام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء . عمار بن ياسر رضي اللّه عنه : من هؤلاء عمار بن ياسر ، وهو من السابقين الأولين في الإسلام ، وكان مولى لبني مخزوم ، أسلم وأبوه وأمه ، فكان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ، فيعذبونهم بحرّها ، ومرّ بهم النبيّ عليه الصلاة والسلام وهم يعذّبون فقال : « صبرا ال ياسر ، فإن موعدكم الجنة » « 1 » ، فمات ياسر في العذاب ، وأغلظت امرأته ( سميّة ) القول لأبي جهل فطعنها في قبلها بحربة في يديه ، فماتت ؛ وهي أول شهيدة في الإسلام ، وشدّدوا العذاب على عمار بالحرّ تارة ، وبوضع الصخر على صدره أخرى ، وبالتغريق أخرى ، وقالوا : لا نتركك حتى تسبّ محمدا ، أو تقول في اللات والعزّى خيرا ، ففعل ، فتركوه ، فأتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يبكي فقال : « ما وراءك ؟ » قال : شرّ يا رسول اللّه ! كان الأمر كذا وكذا ! ! قال : « فكيف تجد قلبك ؟ » قال : أجده مطمئنا بالإيمان . فقال : « يا عمار إن عادوا فعد » . فأنزل اللّه تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] « 2 » ، وقد حضر المشاهد كلها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) حديث حسن صحيح ، رواه ابن إسحاق في السيرة : 1 / 203 ، بلاغا ، ووصله الحاكم : 3 / 388 - 389 ؛ والطبراني في الأوسط ، كما في ( المجمع ) : 9 / 293 ، عن جابر بن عبد اللّه ، وقال الحاكم : « صحيح على شرط مسلم » ، ووافقه الذهبي . وأخرجه أحمد والحاكم كما في ( الإصابة ) من طريق عقيل ، عن الزهري ، عن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر ، عن أبيه . وهذا سند صحيح من مراسيل الصحابة ، وهي مقبولة عند العلماء ؛ وأخرجه أحمد ، رقم ( 439 ) ؛ وأبو نعيم في الحلية : 1 / 140 ، عن عثمان بن عفان ، ورجاله ثقات ، إلا أنه منقطع كما قال الحافظ . فهذه طرق تشهد لصحة الحديث . ( 2 ) في ثبوت هذا السياق نظر ، وعلته الإرسال ، أخرجه ابن جرير في تفسيره : 12 / 113 ؛ وأبو نعيم : 9 / 140 ؛ وأبو بكر الجصاص في أحكام القران : 3 / 236 ، عن طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر . قال : أخذ المشركون عمارا ، فلم يتركوه حتى سبّ -